فخر الدين الرازي
24
المطالب العالية من العلم الإلهي
حدوث تلك الأمور ، ولا يتسلسل . بل ينتهي إلى الصفات الأزلية . وحينئذ يعود الإلزام المذكور ، وهو كونه تعالى موجبا بالذات . ثم نقول : لم لا يجوز أن يقال : القادر على الفعل وعلى الترك : يمكنه أن يرجح جانب الفعل ، على جانب الترك . وبالعكس من غير مرجح . ألا ترى : أن الهارب من السبع ، إذا ظهر له طريقان متساويان . فإنه يختار أحدهما على الآخر ، لا لمرجح . والعطشان إذا خير بين قدحين متساويين [ فإنه يختار أحدهما على الآخر ، لا لمرجح « 1 » ] والجائع إذا خير بين أكل رغيفين . فإنه يختار أحدهما دون الثاني ، لا لمرجح . فثبت : أن القادر يمكنه ترجيح أحد الطرفين على الآخر لا لمرجح « 2 » . سلمنا : أنه لا بد في الفعل من الداعي ، وأن حصول تلك الداعية بخلق اللّه تعالى . لكن لم قلتم : إن عند حصول تلك الداعية : يجب الفعل ؟ ولم لا يجوز أن يقال : إن عند حصول تلك الداعية ، يصير الفعل أولى بالوقوع ، مع أنه لا تنتهي تلك الأولوية إلى حد الوجوب ؟ بيانه : وهو القادر لما كانت نسبة قادريته إلى الضدين على السوية ، امتنع صدور أحدهما بدلا عن الثاني . لأن الاستواء يناقض الرجحان . أما إذا دعاه الداعي إلى فعل أحد الضدين ، صار ذلك الضد أولى بالوقوع . لكن بشرط أن لا تنتهي تلك الأولوية إلى حد الوجوب . فلأجل أنه حصل الرجحان ، بسبب حصول تلك الداعية ، لا يلزم رجحان أحد الطرفين المتساويين على الآخر ، لا لمرجح . ولأجل أن تلك الأولوية ، لما انتهت إلى حد الوجوب ، لم يلزم الجبر . وحصل الامتياز بين المؤثر الموجب بالذات ، وبين الفاعل بالاختيار . أما قوله : « إنه حال الاستواء ، لما كان ممتنع الوقوع ، كان حال المرجوحية أولى بالامتناع [ وإذا امتنع « 3 » ] المرجوح ، وجب الراجح . ضرورة : أنه لا خروج عن النقيضين » .
--> ( 1 ) زيادة ( 2 ) يقول القاضي عبد الجبار بعدم المرجح في حالة الإلجاء يقول : « إذا ألجئ إلى الهرب من السبع ، وهناك طرق ينجو بكلها ، فإنه يقدر على سلوك كل واحد منها ، بدلا من الآخر » [ ص 49 المجموع ] . ( 3 ) من ( ط ، ل )